السيد محمد تقي المدرسي

88

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

فالأكل والشرب نعمتان سابغتان ، ولكن الاسراف فيهما يجعلهما نقمة . كذلك المال نعمة إذا استفاد منه البشر لابتغاء الآخرة ، ولم ينس نصيبه من الدنيا ، ولكنه يصبح نقمة إذ حرّم الانسان على نفسه زينة الحياة الدنيا افتراءً على الله . وقد قال ربنا سبحانه : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( الأعراف / 32 ) وكذلك يصبح المال نقمة إذا كنزه صاحبه ولم ينفق منه ، ولم يبتغ به الدار الآخرة . ومن هنا فإن كل النعم الإلهية تتم بالعدل ، والتطرف بها زيادة أو نقصاً قد يجعلها نقمة . العدل في الأسرة : العدل صبغة حياة المؤمن في العشرة ، وفي علاقاته بوالديه وزوجته وابناءه . وقد أمر الكتاب المجيد بأن يُدعى الأبناء لاباءهم ، لأنه اقسط عند الله . وأمر ان يعدل الانسان بين زوجتيه ، فإن لم يقدر فواحدة . ونهى ان يضار بالأبناء . وفي هذا الحقل جملة احكام شرعية قائمة على أساس العدل ، نذكر منها ما يلي : اولًا / كانت العرب في الجاهلية يتبنون الأولاد الصغار فيدعونهم لأنفسهم ، وقد أبطل الاسلام هذه العادة غير العادلة ، وأمر بأن يدعى الولد لأبيه لأنه منه ، ولأن من حق الولد والوالد ان ينتسب إلى ما هو منه . وقصة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي صلى الله عليه وآله معروفة ، حيث زوج الله نبيه زينب التي كانت زوجة زيد بعد ان طلقها زيد ، ليعلم الناس ان زيد وكل ولد متبنى لا يضحى ابناً لمن تبناه ، بل لابد ان ينسب لأبيه . قال الله سبحانه : مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ امَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِافْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَآءَهُمْ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( الأحزاب / 4 - 5 ) وقال سبحانه عن قصة زواج الرسول من مطلقة زيد : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ